يتوفر المغرب على موارد مائية نسبيا مهمة، و يصل حجم المياه المستغلة إلى حوالي 21 مليار متر مكعب، 16 مليار متر مكعب منها سطحية و الباقي عبارة عن مياه جوفية.

لكن وطأة المناخ الشبه الجاف و الجاف و تزايد الطلب على هذه المادة يجعلون من الموارد المتوفرة غير كافية.

يمثل الماء إذن مادة غير كافية مقارنة مع الحاجة المتزايدة و السريعة لها، بحيث تبين المؤشرات المستنتجة من دراسات أجريت في المغرب أن استغلال الماء سيبلغ أقصاه في حدود سنة 2013 و يعزى ذلك إلى النمو الديموغرافي المتزايد الذي يعرفه البلد.

تبقى الاستراتيجيات المستقبلية غير دقيقة نظرا للتغيرات المناخية. بين سنة 1990و سنة 2000 انخفضت حصة كل فرد من الماء من 1200 متر مكعب في السنة إلى 950 متر مكعب، و تشير التوقعات أن هذا الرقم سينخفض إلى 632 متر مكعب في السنة (منظمة اليونيسكو) و هذا الرقم يقارب عتبة أزمة الماء التي تقدر ب 500 متر مكعب لكل ساكن في السنة.

رغم هذا تبقى للمغرب إمكانية حقيقية للحفاظ على مياهه و تتجلى في إطلاق برامج الترشيد و مراجعة كيفية توزيع الثروات المائية و تصريفها.

 

1)    الماء والزراعات السقوية

لقد هدفت سياسة السدود الكبرى إلى تنمية السهول و إنتاج الطاقة الكهربائية، و هكذا ازدادت المساحات الزراعية الكبرى و تنوع الإنتاج الفلاحي. و بجانب هذه المساحات الكبرى ظهرت مساحات صغيرة عديدة تسقى بعشوائية بواسطة مضخات تجذب الماء من الفرشة المائية أو مباشرة من الأودية، و قد أدت هذه الوضعية غير الممنهجة إلى استنزاف الثروات المائية.

وظيفة معظم السدود المغربية هي تنظيم موسمي للسقي حسب التقلبات المناخية. سد الوحدة الموجود على واد ورغة يشكل استثناءا كبيرا لأنه لم يتحمل تتالي سنوات الجفاف كما كان الحال بين سنة 1980 و 1984 و بين سنة 1990 و 1994و هكذا طال الاستنزاف و الري غير المعقلن الفرشة المائية مما أدى إلى انخفاض كبير لمستوى المياه في هذا السد و اجتفاف الآبار بشكل كبير.

تقدر المساحة الفلاحية المسقية بالمغرب ب 1600000 هكتار و هذه المساحة أصبحت غير كافية لسد الحاجيات الغذائية للعدد المتزايد للسكان، و هكذا تشير التوقعات أن المساحة المعتمدة لسد حاجيات السكان ستنخفض من 34 هكتار لكل 1000 ساكن إلى 25 هكتار لكل 1000 مواطن إلى حدود سنة 2020.

تطرح هنا إذن إشكالية التوفيق بين الاكتفاء في المجال الزراعي و الحفاظ على الثروة المائية. 

2)    المنافسة بين السقي و التزود بالماء الصالح للشرب.

يفترض توزيع الموارد المائية حكامة جيدة لتحديد حاجيات كل مجال جغرافي في المغرب.

 حاجيات المجال الحضري: تعتبر حاجيات المجال الحضري للماء جد ملحة و ذات أولوية مقارنة مع المجال القروي. إذن تزويد المدن بالماء الصالح للشرب يبقى اكبر من تزويد القرى بالماء الموجه للري. لكن اعتبار الماء كعنصر غير حيوي في الاقتصاد يفسر التبذير الذي يطاله، حيث أن المجتمع الحضري يستهلك و يلوث الماء بشكل متفاقم. و في حالة ندرة المياه (الشيء الذي عرفته بعض مناطق المغرب) تعطى الأولوية لضمان التزويد بالماء الصالح للشرب و يسخر ما تبقى لسقي الزراعات المعتمدة على الأشجار المثمرة و قليل من الزراعات الموسمية كالقمح و الشعير..... و تؤدي هذه الأولوية إلى انخفاض مستوى المياه في السدود و الفرشات المائية، و يتفاقم ازدياد الطلب في المدن بسبب النمو الديموغرافي المتزايد. و ما يزيد الأمر تعقيدا  هو بعد بعض الحواضر عن موارد المياه مما يزيد من كلفة الاستثمارات المرتبطة بتجهيز و ربط هذه الحواضر، و هذا يشكل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة.

3)    تدبير العرض و الطلب:

ركزت طويلا سياسة الماء في المغرب على العرض و ذلك بتكثيف الاستثمارات في هذا المجال، لكن تم إغفال تدبير هذا العرض. و لم تصبح مسألة تدبير العرض إلا بعد ظهور المؤشرات الأولى المنذرة بأزمة الماء، و ذلك نظرا للطلب المتزايد على هذه المادة و وطأة فترة الجفاف التي عرفها المغرب بين سنتي 1980 و 1985.

 في سنة 1990 تمت المصادقة على قانون للماء و قد تضمن هذا القانون في ثناياه مجموعة من المبادئ الأساسية أهمها التدبير المندمج و اللامركزي للثروة المائية و إشراك المواطن في المحافظة عليها، حيث أن اعتماد الفوترة بأشطر في آداء واجب استهلاك الماء أدى إلى الحد بشكل مهم من الاستهلاك المفرط، كما أن تطوير موارد جديدة كإعادة استعمال المياه المستعملة بعد تنقيتها ساعد على استرداد و لو بشكل ضئيل بعض الكميات الضائعة. و قد أصبح أيضا من اللازم أيضا في المجال الفلاحي اعتماد بعض الزراعات الأقل استهلاكا للماء.

رغم كل هذا فإن الاختيار السوسيواقتصادي الذي يعطي الأولوية للفلاحة و السياحة و الصناعة الغذائية كان له وقع كبير على تراجع جودة المياه الذي أصبحت كلفة تنقيته من الملوثات جد مرتفعة.

4)    مسألة البيئة:

إن تنمية القطاع الفلاحي السقوي و الصناعة السياحية تسبب في استغلال مفرط للماء، حيث أن إيقاع حفر الآبار أصبح سريعا (30% من الآبار أنجزت بشكل سري دون احترام المسطرة المنظمة لهذا المجال).

و قد ترتب عن هذه الوضعية عدة مشاكل بيئية من بينها:

- ازدياد عمق الآبار تبعا لانخفاض مستوى الفرشة المائية، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع كلفة جلب الماء منها (كلفة الضخ).

- اختفاء بعض الفرشات المائية و ظهور آفة التصحر.

- اجتياح المياه المالحة لبعض الفرشات المائية.

 

5)    المياه المستعملة، التلوث و التطهير:

إن مشكل تراجع جودة المياه كبير، حيث أن استعمال الأسمدة أدى إلى تلويث المياه الجوفية بعنصر الآزوت و بالتالي أصبحت هذه المياه غير صالحة للشرب علما أن كلفة تنقيتها تبقى جد مرتفعة.

من جهة أخرى، ففي المناطق الحضرية التي تعرف كثافة سكانية كبيرة يتولد مشكل طرح النفايات في الشبكة المائية التي تفقد جودتها و تشكل عبئا ثقلا في تطهرها خصوصا أن تكنولوجيا تنقية المياه المستعملة تتطلب موارد مالية كبيرة و اعتماد أطر جد مؤهلة.

إذن، النمو الديموغرافي، اتساع الحواضر، التطور الصناعي و التطور التقني في المجال الزراعي كلها عوامل أدت إلى طرح مواد ملوثة للماء و تسببت في تراجع جودته. و قد أدى هذا التراجع إلى ظهور مشاكل بيئية تهدد مباشرة صحة المواطنين.

 الصور من الأنترنت